'الكازما'.. من ملجأ حربي إلى مختبر بصري
حاويات شحن ملوّنة ملقاة على شاطئ كورنيش المدينة، تلفت الأنظار ويتهافت إليها كلّ المارّة والزّوار الذين حلّوا بقابس منذ أيّام، يتساءلون: ما هذا؟ الإجابة: إنّها الكازما. ما الكازما؟ إنها بناء حربيّ مصفّح من زمن الحرب العالمية الثانية، ظلّ شاهدا صامتا على ذاكرة المكان، قبل أن يتحوّل اليوم إلى فضاء فنّي حيّ ينبض بالصورة والصوت.
وبعد أسئلة سريعة، ستجد نفسك داخل الحاوية العملاقة: يحيطك الظلام، وأمامك نافذة إلى نور، تحملك إلى عوالم استثنائية، عوالم لا تخضع لقوانين العرض التقليدي، ولا تستقرّ داخل يقين واحد.
فعلى شاطئ الكورنيش في قابس، حيث يتجاور البحر مع آثار الحرب، تنتصب حاويات "الكازما" كجزر بصرية تؤوي أعمال فن الفيديو، خارج أي تصنيف جاهز أو قراءة نهائية. من حاوية إلى أخرى، تتكثّف استعارات الذاكرة، وتتقاطع تجارب إنسانية وفنية، تتسلّل فيها الفكاهة إلى قلب الألم، وتطفو الضحكة على سطح الوجع، كأنها آلية مقاومة خفيّة.
وفي هذه الدورة، التي تشرف عليها نادية كعبي-لينكه وتيمو كعبي-لينكه، لا تُقدّم الفكاهة كزينة عابرة، بل كاختيار جمالي ومعرفي، كقوة قادرة على خلخلة الثقل الذي يسكننا. هنا، يصبح الضحك وجها آخر للبكاء، وتتحوّل الخفّة إلى أداة لفهم ما هو أكثر قتامة، في تقاطع واضح مع تجارب فنية عالمية اشتغلت على هذا التوتر بين العبث والجدّ.
ولا تفرض عليك الأعمال داخل هذه الحاويات الملوّنة، بل تربكك. تزعزع يقينك، وتدفعك إلى إعادة التفكير. ففي فيلم "The Girl Chewing Gum"، تتحوّل السلطة إلى مجرّد صوت يدّعي السيطرة على الواقع، بينما يكشف تدريجيا هشاشته. وفي عمل آخر، يقودنا مخرج إلى فضاء عسكري سابق تحوّل إلى منتجع، حيث تتجاور الذاكرة الحربية مع اقتصاد الترفيه، في مفارقة بصرية صادمة.
وفي "خبز الحياة"، يصبح الخبز، تلك الضرورة اليومية، آلة موسيقية، يُعاد تشكيلها عبر الإيقاع، فيما تقترح أعمال أخرى عوالم ديستوبية أو تجارب جسدية تعيد طرح أسئلة الهوية والانتماء والجندر. من الرقص التونسي إلى السمكة الحمراء التائهة في الماء، ومن ذاكرة المانجو إلى حكايات المنفى، تتعدّد الحكايات لكنّها تلتقي عند نقطة واحدة: الإنسان في مواجهة ذاته والعالم.
"الكازما" ليست مجرّد فضاء عرض، بل تجربة عبور من الظلمة إلى الضوء، ومن المألوف إلى الهشّ، ومن الصورة إلى ما وراءها. هنا، لا تخرج بإجابات، بل بأسئلة أكثر. وربّما هذا هو رهانها الحقيقي: أن تخلق شروخا صغيرة في وعينا، وأن تدعونا، بهدوء، إلى إعادة النظر في كلّ ما كنّا نظنّه بديهيا.
الواثق بالله شاكير



